08.06.2006
"محمد سلام أمزيان عبد الكريم الخطابي وحرب الريف"-الجزء الثاني
إعلان "جمهورية الريف" وحرب التحرير سقط الأمير عبد الكريم والد محمد كما ذكرنا في "تفرسيت" وهو يحارب الإسبان بقيادة الجنرال سلفستري قائد الإسبان في منطقة مليلية. وفي هذا الوقت أكمل الإسبان احتلال الريف الشرقي بقيادة سلفستري واحتلوا معظم الريف الغربي بقيادة الجنرال برنجير وبهذا سقط أكثر من تسعين بالمائة من الريف تحت الاحتلال وظلت بلاد الريف الأوسط في وضع معنوي سيء يعيث بها عملاء الإسبان فساداً ً وكان سقوطها مسألة وقت. ويلفت انتباهنا في محمد أنه ما كان بحال ينصاع للتوازن الظاهري للقوى بل كان يرى القوة الكامنة في مجتمعه إن استثيرت وهذا ما نلاحظه بسهولة إن علمنا أنه في هذا الوضع الذي يثير اليأس في أكثر القلوب تفاؤلاً بعث إليه الجنرالان سلفستري وبرنجير يعرضان عليه العودة إلى منصبه فأبلغهما أنه يقبل العودة بشرطين: الانسحاب التام من الريف والاعتراف باستقلاله! ولم يضع عبد الكريم وقته ووقت شعبه في مفاوضات خائبة تبدد الجهود وتحطم ما تبقى من الروح المعنوية بل انصرف إلى العمل الفوري فدعا إلى اجتماع كان عدد حضوره خمسة عشر رجلاًًً ومع هؤلاء أقام "معسكراً للتجمع الوطني" وتوافد إليه في هذا المعسكر نحو من ثلاثمائة من أعيان الريف وهناك أقروا بعد اجتماعات متواصلة مشروعاً من ست نقاط: 1-إعلان الريف دولة مستقلة باسم الجمهورية الريفية. 2-تشكيل حكومة دستورية. 3-تشكيل جمعية وطنية منتخبة. 4-تشكيل هيئة عليا تكون قيادة جماعية للتوجيه والتنظيم والدفاع. 5-إيجاد ميثاق وطني للشعب المغربي. 6-إعداد الشعب لتحرير المناطق المحتلة وعدم الاعتراف بمعاهدة الحماية. أقرت هذه البنود في 15 ديسمبر 1920م والذي يبدو أن إعلان "الجمهورية الريفية" لم يكن في الحقيقة خطوة انفصالية بل كان خطوة تكتيكية تهدف إلى تحييد فرنسا بإشعارها أن المقاومة موجهة للإسبان حصراً وتهدف أيضاً إلى عدم إحراج العرش المغربي وقد تهدف ضمناً إلى الحيلولة دون تدخل هذا العرش في الحرب وآنذاك ما كان هذا التدخل إلا ليكون سلبياً إذا راجعنا ما كان عليه وضع الحكومة المركزية في المغرب من ضعف وتردد بعد توقيع معاهدة الحماية ووقوع المغرب تحت الاحتلال الفرنسي الواقعي. والذي قسم المغرب في الواقع إلى قسمين لم يكن هو الخطابي بل كان الاستعمار الذي فعل هناك ما فعله في بقية أرجاء العالم المستعمر ولا سيما العالم الإسلامي والعربي على نحو أخص. فالريف سموه "الريف الإسباني" وقد وجد الخطابي نفسه إزاء وضع إقليمي هو أمر واقع ولكن محاولة تحييد فرنسا لم تنجح وما كان لها أن تنجح فما كان الاستعمار ليرضى أن يدحر استعمار آخر على تخومه. على أن إعلان "جمهورية الريف" ترافق مع بناء جهاز منظم سياسياً وعسكرياً و له علاقة وطيدة بالبنية الاجتماعية للمنطقة الريفية وعلى أساس هذه البنية التي وصفنا في الفقرة السابقة كيف استعادت عافيتها بدأ الخطابي حرب التحرير. بعد الإعلان السابق ذي النقاط الست بستة أشهر وجهت "الهيئة العليا" الريفية إلى الإسبان إخطاراً بالانسحاب من البلاد المحتلة وعرضاً عليهم بالتفاهم في موضوع المصالح الإسبانية في الريف مع ملاحظة مرفقة قدمت للإسبان تقول إن هذا العرض سيلغى إذا رفضته إسبانيا ولن يقبل في المستقبل حتى لو عادت إسبانيا فقبلته! وبلغت هذه العروض إلى الجنرال سلفستري فرفضها بعجرفة قائلاً: إن إسبانيا لها من القوة ما يمكنها من الذهاب إلى حيث تشاء ولقد صممت على دخول بني ورياغل (قبيلة الخطابي.م) وإخضاعهم. سأظل على صهوة جوادي مدة شهر حتى أسقيه من ينبوع أغادير وأنظف حذائي في بني ورياغل عروس الريف وهاأنا ذا ذاهب بجوادي لأشرب الشاي المنعنع في أغادير أراد عبد الكريم أم لم يرد جميع العبد الكريميين في العالم"! هذا الجنرال المجرب المغرور ذهب بعد ذلك بالفعل إلى أغادير ولكنه لم يعد ولم يشرب الشاي فقد أبيد جيشه وقتل هو في المعركة في قرية "أنوال" التي أذهلت العالم بأسره وبرهن فيها عبد الكريم أنه من أكبر رجال الحرب في تاريخ العسكرية البشرية فقد تمكن من استثمار كل شيء من التخطيط للمعركة والدخول فيها بفعالية بعدد رجاله القليل وعدتهم التي لا تذكر إزاء الخصم واستغل أيضاًً معرفته بنفسية الخصم ليقوده إلى سلسلة من الخطوات الخاطئة وليس غرضنا في هذا المقال القصير الوصف التفصيلي لوقائع حرب الريف ولكننا نكتفي بأن نقول أن ملك إسبانيا ألفونسو الثالث عشر حين وصلته أخبار الهزيمة الفادحة التي أسفرت عن خمسة وعشرين ألف قتيل إسباني وألفي مفقود وتسعمائة أسير قال: لقد سقط عرشي! وبالفعل لقد سقط بعد قليل. أما السياسي البريطاني الشهير لويد جورج فقال: "في أنوال سقط الاستعمار الأوروبي" منذ البداية وإلى النهاية لم يكن الخطابي رجلاً عنصرياً او ينظر إلى العدو نظرته إلى بهائم لا تستحق الحياة كما كانت نظرة الاستعمار إلى الشعوب التي احتل بلادها فقد كان بكل صدق يأسف للشباب الإسباني الذي قادته حكومته إلى الذبح في الحرب الاستعمارية ولقد سجلت معاملة الخطابي لأسراه من جنرالات الأعداء وجنودهم آيات من الإنسانية تعيدنا إلى إنسانية صلاح الدين مع أسرى الصليبيين وما كان الخطابي ليسمح بالإجهاز على جريح رغم أن خصومه ما كانوا ليتورعون عن الغدر بالرسل الذين كان يرسلهم إليهم. وبعد هذه الهزيمة سادت الاضطرابات في إسبانيا وتساقطت الحكومات وزادت المطالبات في صفوف الشعب الإسباني بالانسحاب من الريف وفي عام 1923م قام المارشال بريمودي ريفيرا بانقلاب عسكري أعلنت على أثره الأحكام العرفية وألغيت الحريات العامة وتحول النظام إلى نظام ديكتاتوري عسكري. وجاء الديكتاتور بنفسه إلى الريف محاولاً في البداية أن يتفاوض مع الأمير الخطابي ولكن الضباط عارضوه فاضطر إلى أن يقود الجيش بنفسه في معركة دامت مائة وعشرين يوماً مع الأمير محمد وانتهت بهزيمة مدوية فاقت سابقتها وسقط فيها خمسون ألف جندي إسباني وكتبت جريدة الماتان الفرنسية نقلاً عن مراسلها الميداني: جثث الإسبان بعشرات الألوف. هكذا وفي نهاية عام 1924م كانت إسبانيا قد أخلت الريف وكان الخطابي قد نال إعجاب العالم وخصوصاً في بريطانيا وأمريكا وصرح الديكتاتور الإسباني في ذلك الوقت للجنرال الفرنسي دوشمبرا: "إن القضية الريفية تكلفنا أكثر مما في وسعنا وطاقتنا. وقد انسحبنا الآن إلى الساحل بالقرب من سبتة. أما الريف فلن تطأه أقدامنا". اعتباراً من هذه النقطة لم يعد بإمكان فرنسا السكوت وقد كانت منذ معركة أنوال عام 1921م قد بدأت تحاول من جهة إقناع الأمير الخطابي أنها على الحياد ومن جهة أخرى الاتصال مع زعماء القبائل المحيطة بالريف ليسهلوا تحركات القوات الفرنسية على الحدود وأخيراً كانوا الفرنسيون يتصلون بشيوخ الطرق الصوفية لكي يوزعوا المنشورات التي تحاول تضليل البسطاء وإبعادهم عن الخطابي وإقناعهم أن الدين يأمرهم بترك القتال في صفوفه. وأخيراً أرسل المارشال ليوطي قائد قوات فرنسا في المغرب لحكومته يحذرها من محمد عبد الكريم الخطابي "إن الريف أصبح لأول مرة تحت قيادة زعيم واحد هو عبد الكريم، وأخشى أن يصبح أمير الريف بطل الاستقلال بل إن صوره في كل مكان بشمال أفريقيا وآسيا الصغرى. إن الريفيين يستعدون علناً لفرض التغيير دون إرادتنا فهم يشقون الطرق ويمدون خطوط التليفون ويقيمون مواقع للمدافع الميكانيكية وإذا لم نعزز قواتنا فإن وجودنا في كفة القدر" وفي عام 1923م زار وفد من "جمهورية الريف" باريس ولكنه وهو هناك تلقى نبأ قيام القوات الفرنسية بالتوغل في منطقة ورغة وحين سأل المسؤولين الفرنسيين عن هذا الموضوع قالوا له إن هذه الأمور من اختصاص المارشال ليوطي. وهكذا وبعد أن كاد الوجود الإسباني يمحى نهائياً من منطقة الريف وجد الخطابي نفسه مضطراً لفتح جبهة جديدة مع فرنسا. واستعانت فرنسا في حربها مع طلاب الحرية هؤلاء بكل ما لديها من جيوش وأسلحة ومرتزقة وبنى اجتماعية متهالكة جاهزة لخدمتها في المغرب ومع كل هذا هزم الفرنسيون في معارك متوالية واستطاع الريفيون احتلال مواقع يكاد يكون احتلالها مستحيلاً من الناحية العسكرية مثل موقع قمة تاونات و هو موقع مرتفع كان علم الفرنسيين العسكري يقول لهم إنه لا يمكن أن يهاجم إلا من منطقة السهل فتسلق إليه الريفيون من الجبل! ثم وقعت معركة كبرى 1925 م احتل فيها الريفيون موقع البيبان الاستراتيجي واحتلال هذا الموقع الذي استعمل فيه الفرنسيون كل أسلحتهم من قوات ومدافع وطائرات وقوات احتياط جلبت على عجل من الجزائر كان معجزة عسكرية أخرى من معجزات أهل الريف. وبمدة وجيزة سقط سبعون من المعسكرات والحاميات الفرنسية في أيدي الريفيين وترك المارشال ليوطي كما قال الأمير في مقابلة له لاحقة مع الأستاذ أمزيان أسلحته وذخائره في الميدان كما فعل الإسبان من قبل ومن الطريف والجديد ربما أن نعرف أن هوشي مينه في فيتنام طبق لاحقاً ضد الاستعمار الفرنسي خططاً ابتكرها الريفيون منها مثلاً طرق مبتكرة في التموين والإمداد يتم فيها الاستغناء عن الإمداد المنظم للجيش. وقرر ليوطي بعد هزائمه المذلة أن يهادن الخطابي لبعض الوقت وفي أثناء ذلك تكون حكومته كما اقترح عليها قد عقدت اتفاقاً مع إسبانيا للقيام بهجوم مشترك على الريف. كانت الخسائر الفادحة في صفوف الفرنسيين تسبب الاضطراب للحكومة الفرنسية التي كانت تحاول إخفاء وضع الجيش السيء في الحرب عن الرأي العام الفرنسي وفي الشهر الخامس من عام 1925م عينت الحكومة الجنرال دوغان قائداً عاماً للعمليات عازلة بهذا المارشال المتعجرف ليوطي ثم عزل دوغان بدوره بعد 45 يوماً من تعيينه وعين بدلاً منه الجنرال نولان. واستعمل الفرنسيون في حربهم ضد الريف سياسة الإبادة الجماعية لكل ريفي أكان محارباً أم لا وقد فضح النواب المعارضون في الجمعية الوطنية الفرنسية الأوامر التي كانت تطلب من الجنود الفرنسيين إطلاق النار على كل منتم "للمناطق المتمردة".على أن الوحشية لم تجدهم نفعاً. وهكذا ساد فرنسا التشاؤم من نتيجة الحرب وزادت المعارضة لها وسقطت الحكومة واسندت الحكومة الجديدة إلى بانليفيه الذي تولى رئاسة الوزارة والحربية ثم ذهب بنفسه إلى ساحة القتال في يونيو 1925م واجتمع بالقادة وحين عاد إلى باريس أبلغ بأن رجال الريف يتقدمون إلى فاس وكان المارشال ليوطي يتولى القيادة في فاس فنقل قيادته إلى مكناس وبدأ يوزع الأموال على شيوخ الطرق والزعماء المحليين لعرقلة نفوذ الجمهورية الريفية من داخل المجتمع المغربي و لكن إزاء الخسائر المتوالية أبعدت فرنسا المارشال ليوطي عن المغرب ورمت بسهمها الأخير ألا وهو بطلها الوطني الذي أبلى البلاء الحسن في الحرب العالمية الأول وهو المارشال بيتان. ثم سقطت حكومة بانليفيه وذهب رئيس الوزراء الجديد بريان إلى مجلس النواب ليطمئن الرأي العام الفرنسي بطريقة عنصرية مخزية تستحق التأمل لقد قال في بيانه "إن فرنسا لا تخسر رجالاً في هذه الحرب فالجنود المغاربة هم الذين يقومون بهذه العمليات! إن قوات فرنسا في الميدان تبلغ أربعة وعشرين ألف جندي وليس بينهم سوى أربعة عشر ألف فرنسي وعشرة آلاف من أجناس أوروبية أخرى. أما الجنود المغاربة وشمال أفريقيا والمستعمرات الفرنسية فيبلغون مائتي ألف مقاتل" كان المثال الريفي يهدد الاستعمار ليس في مكانه فقط بل في كل العالم المستعمر وخصوصاً في العالم الإسلامي وفي كتابه "ليوطي المغربي" ينقل الجنرال كاترو هذا القول لليوطي في أحد تقاريره للحكومة "إن العالم الإسلامي كله يرقب الحرب الدائرة الآن في الريف بكل اهتمام. إن هذه الثورة المعلنة في الريف تهدد نفوذ كل الدول الأوروبية ذات المصالح الاستعمارية في البلاد الإسلامية. تهدد فرنسا في شمال أفريقيا وغربها وتهدد بريطانيا في ممتلكاتها الإسلامية وفي الهند". والدوائر البريطانية كانت طبعاً تتابع الحرب عن كثب وكان المستعمرون يتوحدون إذا كان الخطر يهدد المبدأ الاستعماري ذاته وقد وقع في الشهرين السادس والسابع اتفاقان بين فرنسا وإسبانيا يتعهدان فيه بالتعاون ضد الريف وبالتنسيق مع الأسطول البريطاني. وجهزت فرنسا وإسبانيا حملة هائلة على أغادير مسقط رأس الأمير عبد الكريم الخطابي وكانت بقيادة الجنرال الإسباني سان خورخو والأميرال هوير الفرنسي تحت إشراف المارشال دريمودي ريفيرا و تألفت من مائة وخمسين قطعة حربية بحرية منها ثلاث حاملات طائرات وبعد مائة وعشرين يوماً من الحملة صمد الريفيون ولم يستطع الغزاة احتلال شبراً واحداً وكاد سان خورخو ينسحب ثم أمر بريمودي ريفيرا السلاح الجوي بضرب بني ورياغل بالغازات السامة وفي ظل هذه المعركة الإجرامية زار الصحفي الأمريكي فانسنت شين الأمير وكتب يقول "وصلت وسط عجيج مروع من الغارات الجوية التي تقوم بها طائرات تحلق باستمرار في سماء المعركة ودخلت على عبد الكريم في خندق بالخط الأمامي وسألته عن الموقف فقال بسرعة: لا جدوى من الحديث في شروط الصلح حتى يعترف بريمودي ريفيرا وغيره باستقلالنا. إن روعة شجاعته لا حد لها. إن تشبعه بأفكاره وإيمانه بعقيدته لم يتغير على الرغم من الأخطار المحدقة به إن هالات السمو والجلال والعظمة تحيط به وتزداد عظمته مع ظروف الرعب (...) إنني رأيته هذه المرة عملاقاً أكثر مما رأيته في مكتبه قبل سنة إنه عملاق في بطولته حتى بدا أمامي كل ساسة أوروبا الذين يصارعهم على عكسه. بدوا أمامي مجموعات من الساسة المشتغلين بالتوافه كأنهم هم أنفسهم مجموعة من لعب الأطفال يلهو بها هذا العملاق. ليتني كنت أستطيع البقاء معه مدة أطول هنا لأزداد تأملاً وتفكيراً ولأتعمق في دراسة هذه الظاهرة البشرية الفريدة التي أمامي." ويصف هذا الصحفي كيف كان عبد الكريم يقف أثناء الحديث ويصوب بندقيته على الطائرات غير آبه بخطر الموت المحقق. ما هي القوى التي قاتلت ضد عبد الكريم وماذا كانت قواته هو؟ هذا ما تذكره المصادر الرسمية الفرنسية: كان لدى عبد الكريم عشرون ألف مسلح وكان عند الفرنسيين اثنان وثلاثون فيلقاً وأربعة وأربعون سرباً من الطائرات وثلاثون مارشالاً على رأسهم المارشال بيتان وأربعمائة ألف مرتزق ومائتان وخمسون ألف مقاتل إسباني وأربعون سرباً من الطائرات الإسبانية وخمسة وعشرون جنرالاً على رأسهم المارشال بريمودي ريفيرا (هذه الإحصائيات منقولة عن مداولات الجمعية الوطنية الفرنسية التي نشرت في الجريدة الرسمية الفرنسية في 2-6-1956م وذكرت هذه الإحصائيات بمناسبة النقاشات عن حجم القوات الذي يجب حشده ضد ثورة الجزائر) وبرغم كل هذه الجيوش التي ربما كانت كافية لاحتلال قارة بكاملها فإن عبد الكريم ما هزمت إرادة القتال عنده ولكنه جنوده قتل وجرح أغلبهم وهنا تدخلت "القابلية للاستعمار" لإنهاء جمهورية الريف فلقد عمل مشايخ الصوفية على نصرة فرنسا وبالذات الشيخ التيجاني وساندت عناصر المجتمع المتحلل الذي أحاط بالريف القوات الغازية إن لم يكن بالقتال المنظم فبالهجوم للنهب والسلب وهكذا بقي مع الأمير أخيراً مائتا مقاتل وطوقته فرقة كاملة من الإسبان والفرنسيين فقاد ضدهم معركة في الشوارع بالسلاح الأبيض ثم بعثت القيادة الفرنسية إلى البيت الذي هو فيه بوفد طلب منه التسليم بشروط هي الأمان لرجاله وأهلهم وعدم إبعاده إلى خارج الوطن وقد عرض الخطابي على من تبقى من رجاله القيام بحرب عصابات فرأوا أن الوضع غير مناسب لها وهكذا ذهب الخطابي مع عشرين من رجاله على الجياد إلى مقر القيادة الفرنسية في ترجيست يوم الجمعة في 26 مايو 1926م فاستقبله الجنرال إيبوس وأركان حربه قائلاً له: باسم القائد العام للقوات الفرنسية المارشال بيتان أرفع يدي بالتحية العسكرية للرجل الذي حاربنا بشرف وأوقف الحرب بشرف. · مسألة ازدواجية المقاومة والنهضة في مثال الخطابي كان المجتمع التابع الذي ابتلي بالاستعمار يواجه ضرورتين في آن واحد: النهضة الحضارية والتحرر من السيطرة الاستعمارية.إنها المهمة المزدوجة:المقاومة والنهضة.ولو عدنا إلى تعابير المفكر جار الخطابي ومعاصره "مالك بن نبي" لقلنا إن المجتمع يواجه مهمتين: إنهاء "القابلية للاستعمار" و "إنهاء الاستعمار". وكان بن نبي يكرر القول إن القابلية للاستعمار قد توجد في المجتمع ولو لم يكن هناك استعمار. ومن جهة أخرى فقد يحتل مجتمع ما احتلالاً مؤقتاً ولكنه لا يكون قابلاً للاستعمار كما جرى لليابان وألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية. و"القابلية للاستعمار" هو اسم يصف عنده نتيجة من نتائج التدهور الحضاري وقد اختار هذا الوصف لأن الاستعمار كان أسوأ ما جرى للمجتمع المنحط حضارياً.إنه مجتمع تفكك وفقد الفاعلية وتمزقت "شبكة علاقاته الاجتماعية" وساده الكسل والخمول والتواكل والأنانية وكل العيوب التي تطيل مرض التبعية وتعوق الشفاء منه. ومالك بن نبي كان يعرف طبعاً الخطابي معرفة جيدة،بل هو يذكر في مذكراته "مذكرات شاهد للقرن" كيف كان حديث حرب الريف يملأ الجزائر: "فالريفيون كانوا أسوداً يكافحون وحشاً يفترسنا جميعاً وبطولة الريفيين كانت تثأر لشعب لا يستطيع الثأر لنفسه" وكيف فكر حين كان طالباً في قسنطينة أثناء حرب الريف مع طلاب آخرين في الالتحاق بالأمير(11) ولو أنني أستغرب كيف لم يفكر في دراسة تجربته النهضوية وهي تكاد تكون كما رأينا تطبيقاً عملياً لمفاهيمه هو عن طبيعة النهضة التي تنطلق من النهضة المبنية على فكرة فاعلة محركة من طبيعة دينية تسري في المجتمع فتبدأ فيه دورة حضارية جديدة تقضي على "القابلية للاستعمار" أولاً ثم تنتهي بالقضاء على الاحتلال الاستعماري نفسه بعد ذلك. كان بن نبي قد وصف نضال المجتمع الجزائري تحت قيادة الأمير عبد القادر بأنه كان نضال أبطال يريدون الخلود لا البقاء!: "إنهم كانوا يقاتلون من أجل الخلود لا من أجل البقاء".."فعندما برق في أفقنا فرس الأمير عبد القادر في وثبته الرائعة كان الليل قد انتصف منذ وقت طويل ثم اختفى سريعاً شبح البطل الأسطوري كأنه حلم طواه النوم"(12) هذا الوصف الحزين لنضال بلا أمل وإن يكن بطولياً هل ينطبق على نضال الخطابي ومجتمع الريف؟ لقد رأينا أن هذا المجتمع الريفي الذي قاوم مقاومة الجبابرة لم يكن يستطيع إنجاز مهمة المقاومة الكفؤة القادرة مبدئياً على الانتصار لولا النهضة الإصلاحية العظيمة التي قادها الخطابي. على أن المقاومة نفسها قد تكون منطلقاً لتغييرات اجتماعية نهضوية ترافقها وتعمق التغييرات النهضوية التي كان المجتمع بصددها فهي تشحذ الهمم وتخرج الإمكانيات المكبوتة للتغيير وتساعد في قهر عوامل الكسل والقصور الذاتي وتخرج من الأعماق الدوافع المثالية للتضحية بالمصالح الخاصة والأنانية وكل هذا نجده في فلسطين المنتفضة ومن المؤسف أن قليلاً من الدراسات عن الانتفاضتين الأولى والثانية في فلسطين قد ركزت على التغيير الاجتماعي الهائل الذي جلبته المقاومة الاجتماعية الشاملة للاحتلال.واتفاق أوسلو كان من أهدافه أصلاً إعادة إدخال عناصر الانحلال والفساد إلى مجتمع كانت الانتفاضة قد نظفته وأوشكت على تطهيره وبناء أعمدته الاجتماعية وهيكله السياسي على أسس سليمة نقية صحية. كان الريفيون يقاتلون "للبقاء" وللتحرر لا "للخلود" فحسب. أي ليس كمجرد تعبير بطولي يائس عن الصمود حتى النهاية. ولقد كان مشروع عبد الكريم للتحرر مشروعاً واقعياً ناجحاً لولا صغر مجتمعه وعيوب المجتمع الأكبر الذي أحاط به. وإن كان من عبرة قيمة نستقيها فهي أن المقاومة مهددة دوماً بأن تقضي عليها قوى الاستعمار المتفوقة إن لم تترافق مع نهضة حضارية شاملة في الوطن الكبير تتعدى الحدود الإقليمية الضيقة وتستطيع أن تهب للنجدة التي تقلب موازين القوى وإلا استفرد الاستعمار بها إن كان المحيط خاملاً مستسلماً للسبات الحضاري. هوامش وإحالات: (2)منذ هذا التاريخ يتأرخ التاريخ الإسلامي للأسف بتاريخ أوروبا الميلادي لا تاريخنا الهجري لأننا نؤرخ بالتاريخ الهجري لأحداثنا التي كنا نصنعها بأيدينا إن كانت صواباً أم خطأ أما بعد الانهيار الحضاري فالأحداث لم نعد نحن نصنعها بل غاية ما نفعله إن فعلنا أن نرد على ما صنعه غيرنا فلا غرو أن تنسب سلسلة الأحداث إلى من وجهها وبادر بها،وهذه النقطة يطول الحديث فيها فلنكتف هنا بمجرد الإشارة. (3) م.ن. ص114. نقلاً عن: د.محمد خير فارس-"المسألة المغربية"-طبع الجامعة العربية بالقاهرة-1961-ص88 وما بعدها. (4) م.ن. ص122-123. (5) م.ن. ص83. (6) م.ن. ص89- 90. (7) م.ن. ص90-92. (8) م.ن. ص 101. (9) م.نص.92 (10) كما فعل فونتين في كتابه "عبد الكريم مصدر الثورات في شمال أفريقيا" (11) مالك بن نبي – مشكلات الحضارة – "مذكرات شاهد للقرن" – بإشراف ندوة مالك بن نبي – دار الفكر – دمشق – ط2- 1984- ص 126-128. (12) مالك بن نبي – مشكلات الحضارة – "شروط النهضة" – إصدار ندوة مالك بن نبي-ترجمة عمر كامل مسقاوي وعبد الصبور شاهين-دار الفكر بدمشق-1970م-ص20.
18:05 Publié dans Histoire | Lien permanent | Commentaires (0) | Envoyer cette note
"محمد سلام أمزيان عبد الكريم الخطابي وحرب الريف"-الجزء الأول
17:45 Publié dans Histoire | Lien permanent | Commentaires (4) | Envoyer cette note



